ابن كثير
18
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
صيد الكلب « إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم اللّه ، فكل وإن أكل منه وكل ما ردت عليك يدك » ورواه أيضا النسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده : أن أعرابيا يقال له أبو ثعلبة قال : يا رسول اللّه ، فذكر نحوه ، وقال محمد بن جرير في تفسيره : حدثنا عمران بن بكار الكلاعي ، حدثنا عبد العزيز بن موسى هو اللاحوني ، حدثنا محمد بن دينار هو الطاحي عن أبي إياس وهو معاوية بن قرة ، عن سعيد بن المسيب ، عن سلمان الفارسي ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال « إذا أرسل الرجل كلبه على الصيد فأدركه وقد أكل منه ، فيأكل ما بقي » ثم إن ابن جرير علله بأنه قد رواه قتادة وغيره عن سعيد بن المسيب ، عن سلمان موقوفا . وأما الجمهور فقدّموا حديث عدي على ذلك ، وراموا تضعيف حديث أبي ثعلبة وغيره ، وقد حمله بعض العلماء على أنه إن أكل بعد ما انتظر صاحبه فطال عليه الفصل ولم يجيء ، فأكل منه لجوعه ونحوه فإنه لا بأس بذلك ، لأنه والحالة هذه لا يخشى أنه أمسك على نفسه بخلاف ما إذا أكل منه أول وهلة ، فإنه يظهر منه أنه أمسك على نفسه ، واللّه أعلم . فأما الجوارح من الطيور فنص الشافعي على أنها كالكلب ، فيحرم ما أكلت منه عند الجمهور ، ولا يحرم عند الآخرين ، واختار المزني من أصحابنا أنه لا يحرم أكل ما أكلت منه الطيور والجوارح ، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد ، قالوا : لأنه لا يمكن تعليمها كما يعلم الكلب بالضرب ونحوه ، وأيضا فإنها لا تعلم إلا بأكلها من الصيد فيعفى عن ذلك ، وأيضا فالنص إنما ورد في الكلب لا في الطير . وقال الشيخ أبو علي في « الإفصاح » : إذا قلنا : يحرم ما أكل منه الكلب ، ففي تحريم ما أكل منه الطير وجهان ، وأنكر القاضي أبو الطيب هذا التفريع والترتيب لنص الشافعي رحمه اللّه ، على التسوية بينهما ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم . وأما المتردّية : فهي التي تقع من شاهق أو موضع عال ، فتموت بذلك ، فلا تحل ، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : المتردّية التي تسقط من جبل . وقال قتادة : هي التي تتردى في بئر . وقال السدي : هي التي تقع من جبل أو تتردى في بئر « 1 » . وأما النطيحة : فهي التي ماتت بسبب نطح غيرها لها ، فهي حرام وإن جرحها القرن وخرج منها الدم ولو من مذبحها ، والنطيحة فعيلة بمعنى مفعولة ، أي منطوحة ، وأكثر ما ترد هذه البنية في كلام العرب بدون تاء التأنيث ، فيقولون : عين كحيل ، وكف خضيب ، ولا يقولون : كف خضيبة ، ولا عين كحيلة ، وأما هذه فقال بعض النحاة : إنما استعمل فيها تاء التأنيث ، لأنها أجريت مجرى الأسماء كما في قولهم : طريقة طويلة ، وقال بعضهم : إنما أتي بتاء التأنيث فيها لتدل على التأنيث من أول وهلة بخلاف عين « كحيل وكف خضيب لأن التأنيث مستفاد من أول الكلام « 2 » .
--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 4 / 409 . ( 2 ) قال بعض نحويي الكوفة : أدخلت الهاء في « النطيحة » لأنها صفة المؤنث لموصوف محذوف . فلو أسقطت منها لم يعرف أهي صفة مؤنث أو مذكر . قال أبو جعفر الطبري : وهذا القول هو أولى بالصواب . ( تفسير الطبري 4 / 410 )